خلافات الهامش
لعل قيمة ما قاله الأستاذ أنه نقلنا إلى مناقشه ذات معنى، أخرجتنا من معركة غير مبررة حول موقف الأستاذ فهمى هويدى من حضوره خطاب أوباما فى ظل وجود السفير الإسرائيلى، ثم انسحابه من جلسة خاصة حضر فيها صحفى إسرائيلى، وهو موقف مفهوم أو كما عبر عنه هويدى باحترام «مسألة ضمير» ولم يدع أنه قام ببطولة، ولم يتهم من حضروا بالخيانة والتطبيع.
هذا الموقف يذكرنى بموقف مشابه حدث لى منذ حوالى عشر سنوات وكنت عضواً فى جمعية الصحفيين الأجانب (APE) فى فرنسا وكان بها أكثر من ٦٠٠ صحفى من كل بلاد العالم ومنهم حوالى خمسة صحفيين إسرائيليين، ولم يثر وجودى فى مؤسسة عالمية بها كل هذا العدد أى قلق طالما لا أدخل فى علاقات مباشرة أو غير مباشرة مع الصحفيين الإسرائيليين،
ولكن حين طلب منى زميلى الصحفى اللبنانى رئيس الجمعية فى ذلك الوقت إلياس مصبونجى أن أرشح نفسى لمجلس إدارة الجمعية، بكل المغريات المهنية التى يثيرها وجودى على قمة مؤسسة هائلة التأثير وتضم أهم الصحفيين والمراسلين الأجانب فى واحدة من أهم العواصم العالمية، خاصة أنه كانت لدىّ فرصة للنجاح وحملتُ أفكاراً وطموحات كثيرة لتطوير الجمعية والتفاعل مع المؤسسات الفرنسية، والتواصل مع الصحفيين العرب،
وأيضا (كلما أمكن) فضح سياسات الاحتلال الإسرائيلى، ولكنى رفضت الترشيح لأن مجلس الإدارة كان سيضم سبعة أشخاص فقط منهم صحفى إسرائيلى، وهو ما سيعنى أنى سأضطر إلى التعامل معه بصورة ما تفرضها على الأقل واجبات الاجتماع الواحد.
ورغم أن إلياس كان يصنف عربيا فى خانة اليمين لأنه لم يكن لديه هذه المشكلة «الضميرية» فى التعامل ولو بالخلاف مع الإسرائيليين، لكنه كان يصنف فرنسيا فى خانة اليسار الراديكالى لأنه كثيرا ما كان يدين السياسات الإسرائيلية، المهم أن الصحفى الإسرائيلى الذى كان وقتها فى مجلس الإدارة أصبح بعد ذلك رئيس الجمعية، ولم يجد من يواجهه لأن معظم الصحفيين العرب كانوا مهتمين «بالبيزنس» الخاص بهم مع حكوماتهم أو مع رجال الأعمال.
وعدت بعدها إلى مصر وظل فى داخلى هذا السؤال: هل كان موقفى صحيحا أم لا؟ وظلت إجابتى الداخلية كما قال الأستاذ فهمى ضميرية ونفسية خالصة، لأنى أعتبر أن التطبيع هو نسج علاقة مباشرة وثنائية مع الإسرائيليين، ولكن لن نقاطع العالم لأن هناك إسرائيلياً فى ندوة أو احتفال عالمى، أما التفاعل المباشر والمحدود مع الإسرائيليين حتى لو كان ينطلق من نفس المنطق أى أن الداعى جهة دولية أو عالمية، فالخيار الشخصى هو الحاكم فى الموضوع ويحترم فيه كلا الرأيين، من حضروا ومن لم يحضروا.
ولأن معركتنا الحقيقية فى ردع الاحتلال الإسرائيلى بالسلم أو بالمقاومة، وفى كسب الرأى العام العالمى أو تعبئة الرأى العام العربى، ولكننا فى الحقيقة فشلنا فى الاثنين.. لا المقاومون نجحوا وحرروا الأرض وأقاموا الدولة الفلسطينية، ولا المفاوضون استعادوها، وهنا تكمن معركتنا الحقيقية ولذا تركناها وانشغلنا بهوامش الأمور.
معان ثلاثة
هناك معان ثلاثة حكمت قراءة الأستاذ هيكل لخطاب أوباما وتركزت حول أن الرجل هو نتاج مجموعة من مؤسسات المصالح فى أمريكا، وأنه رغم أنه «إنسان رائع» فهو رجل علاقات عامة أشبة بمؤدٍ لدور حدده له «الكبار»، وأنه أخيراً لم يقل أى جديد فى خطابه،
واختزل الأستاذ معانى كثيرة مرتبطة بالتغيير الديمقراطى فى مؤسسات المصالح أو الخبراء الـ ٤٠ الذين كتبوا خطاب أوباما، وهو أمر غير دقيق لأن النخب القادرة على تغيير مجتمعاتها أوسع من هؤلاء جمي